أحمد بن سهل البلخي
487
مصالح الأبدان والأنفس
بفعلها الطبيعيّ ، فلا يستغني « 1 » عن إعانة ذلك العضو الضعيف من الأدوية بما يقوّيه على فعله ، ويردّه إلى طبيعة الاعتدال . وأمّا استفراغ الفضول فإنّما يحتاج إليه إذا امتلأت الأوعية منها ؛ كيلا يعفن فيستحيل أمراضا ، وكذلك يحتاج إلى استفراغها إذا أخذت في الاستحالة والتعفّن . والتسكين أولى ما استعمل وبدئ فيه من وجوه المعالجات ؛ وذلك لأنّ الوجع الهائج إذا اشتدّ وعجزت الطبيعة عن / مقاومته حلّلت القوّة الغريزيّة . فلذلك يجب أن يكون الابتداء به ، ليكفي الطبيعة مؤنته ، ثمّ يتفرّغ بعد ذلك لاستفراغ الفضول ، ونمثّل لك مثالا من حال الذين يهيج بهم أوجاع من حمّى بلغميّة تكون مادّتها باردة رطبة ، إلّا أنّ تلك الأوجاع تهيج من حرارة عرضيّة ، فينبغي أن يبدأ بتسكين تلك الأوجاع ، وإطفاء تلك الحرارة العرضيّة بما يقمعها ، ثمّ يقصد بعد ذلك لإخراج تلك المادّة الباردة الرطبة بالأدوية التي تنقّي البدن منها . وكذلك ينبغي أن ينقّى بالتقوية قبل الاستفراغ ؛ لأنّ البدن ما لم تكن فيه قوّة لم يحتمل الاستفراغ بالتسكين ، ويجب أن يعلم أن أكثر التسكين « 2 » إنّما يكون في الأمراض الحادّة التي تكون مادّتها ناريّة « أ » وهوائيّة ، كالالتهاب الذي يعرض في البدن ، أو بخار يرتفع إلى الرأس من حركة متعبة ، وما أشبه ذلك ؛ فإنّ هذه الأعراض الناريّة / والهوائيّة تسكن سريعا بما يقمعها ويطفئها من الأشياء الرطبة الباردة . فأمّا الأمراض التي تكون مادّتها مائيّة أو أرضيّة ، فإنّه لا يكاد ينتفع فيها إلا بالاستفراغ ، وهو الذي يشفي منها . فأمّا التسكين فلا يكاد يبلغ فيها مبلغا يظهر أثره ؛ لأنّها موادّ محتقنة في أوعيتها ، وليس يبرئ منها على الحقيقة إلا إخراجها .
--> ( 1 ) في ب : تستغني . ( 2 ) في أ ، ب : الاستفراغ . والصواب ما أثبت .